ابن كثير

198

البداية والنهاية

أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت فإن يأتونا كان الله قد قطع عينا من المشركين وإلا تركنا لهم محروبين . قال أبو بكر : يا رسول الله خرجت عامدا لهذا البيت لا نريد قتل أحد ولا حرب فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه . قال امضوا على اسم الله . هكذا رواه هاهنا ووقف ولم يزد شيئا على هذا . وقال في كتاب الشهادات ( 1 ) : حدثني عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر أخبرني الزهري أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه ، قالا : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين ، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش ، فانطلق يركض نذيرا لقريش ، وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته ، فقال الناس : حل حل ( 2 ) ، فألحت . فقالوا : خلات القصواء ( 3 ) خلات القصواء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما خلات القصواء وما ذاك لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل ، ثم قال : والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ثم زجرها فوثبت ، فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه [ الناس ] ( 4 ) تبرضا فلم يلبثه الناس حتى نزحوه ، وشكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العش ، فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه ، فوالله ما زال بجيش لهم بالري حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة - وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة - فقال ، إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل ، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت . فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنا لم نجئ لقتال أحد ، ولكن جئنا معتمرين ، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب ، وأضرت بهم ، فإن شاؤوا ماددتهم مدة ، ويخلوا بيني وبين الناس ، فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا ، وان هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ( 5 ) ولينفذن أمر الله . قال بديل : سأبلغهم ما تقول ، فانطلق حتى أتى قريشا فقال : إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولا ، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا . فقال

--> ( 1 ) كذا في الأصل ، وهو تحريف ، وقد أخرجه البخاري في كتاب الشروط باب الشروط في الجهاد . ( 2 ) حل حل : كلمة تقال للناقة إذا تركت السير . ( 3 ) القصواء : الزرقاني : القصو : قطع طرف الاذن . قال الداودي : انها كانت لا تسبق . ( 4 ) تبرض الماء : قال الخليل في العين : جمعه بالكفين . وقال في الصحاح : برض الماء من العين إذا خرج وهو قليل . وفي البخاري : تبرضه الناس . ( 5 ) السالفة : صفحة العنق ، وهما سالفتان من جانبيه ، وكنى بانفراد هما عن الموت لأنها لا تنفرد عما يليها إلا بالموت ( النهاية ) .